هل تدفع حرب إيران الصين نحو الشاحنات الكهربائية؟

يبدو أن ارتفاع أسعار الديزل بسبب الحرب مع إيران سيمنح الشاحنات الكهربائية الثقيلة في الصين دفعة أقوى خلال هذا العام، خصوصاً مع تزايد قناعة الشركات والمحللين بأن الكلفة التشغيلية أصبحت تميل بوضوح لصالح الكهرباء. وبالنسبة للصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، قد لا يكون هذا التحول مجرد تغيير في سوق الشاحنات، بل خطوة إضافية نحو تراجع الطلب على الوقود التقليدي.
خلال العامين الماضيين، خرجت الشاحنات الثقيلة العاملة بالطاقة الجديدة من نطاقها المحدود لتصبح لاعباً أساسياً في السوق الصيني. ففي عام 2025، اقتربت هذه الشاحنات، ومعظمها كهربائية، من تشكيل ثلث مبيعات الشاحنات الثقيلة الجديدة، بدعم من الحوافز الحكومية، وانخفاض تكلفة التشغيل، وانتشار محطات الشحن بشكل أوسع. كما ساهمت مخاوف بعض المشترين من انتهاء برنامج استبدال الشاحنات القديمة في رفع الطلب بقوة خلال الربع الأخير من العام الماضي.
ومع بداية 2026، واصل هذا القطاع اندفاعه. فقد ارتفعت مبيعات الشاحنات الثقيلة العاملة بالطاقة الجديدة بنسبة 45% خلال الربع الأول، لتصل إلى 44 ألف شاحنة، وتشكل أكثر من ربع مبيعات الشاحنات الثقيلة الجديدة في الصين، مقارنة بأقل من 20% قبل عام واحد فقط. ومن المتوقع أن تسجل مبيعات الشاحنات الكهربائية الثقيلة في أبريل نمواً إضافياً بنسبة 30%، مدفوعة بارتفاع الطلب الموسمي وزيادة أسعار النفط.
ويرى مين جي، كبير المحللين في S&P Global Mobility، أن ارتفاع أسعار الوقود داخل الصين نتيجة الحرب سيؤدي بشكل مباشر إلى تسريع استبدال الشاحنات التقليدية. كما تستعد الشركة لمراجعة توقعاتها لمبيعات الشاحنات الكهربائية ورفعها خلال وقت لاحق من هذا الشهر.
الشاحنات الكهربائية تكسب مساحة أكبر
في الربع الأول من 2026، استحوذت الشاحنات الكهربائية الثقيلة على 27% من إجمالي مبيعات الشاحنات الثقيلة الجديدة في الصين. ومع أن أغلب هذه الشاحنات تُستخدم حالياً في الرحلات القصيرة بين المناطق الصناعية ومراكز النقل، بمدى يقارب 300 كم، إلا أن الصورة بدأت تتغير تدريجياً مع توسع ممرات النقل الطويلة وظهور طرازات من شركات مثل Sany بمدى يصل إلى 600 كم.
ولا يقتصر تأثير هذا التحول على قطاع الشاحنات وحده. فالانتشار الكبير للسيارات الكهربائية، إلى جانب التوسع السريع في الشاحنات الكهربائية وشاحنات الغاز الطبيعي المسال، بدأ يعكس مسار عقود طويلة من نمو استهلاك البنزين والديزل في الصين. ولهذا يتوقع معظم المحللين أن يصل الطلب الصيني على النفط إلى ذروته قبل عام 2030.
ومع ارتفاع أسعار الوقود، باتت بعض شركات استشارات الطاقة تتوقع تسارع تراجع استهلاك الديزل أكثر مما كان متوقعاً سابقاً. فقد عدّلت GL Consulting توقعاتها لانخفاض استهلاك الديزل هذا العام إلى 4.3% بدلاً من 4.1% قبل الحرب، بينما تتوقع Rystad Energy تراجع الطلب على الديزل بنسبة 5% هذا العام، مقارنة بتوقع سابق عند 4%، أي ما يعادل انخفاضاً إضافياً بنحو 40 ألف برميل يومياً.
الديزل يرتفع والكهرباء تصبح أكثر إقناعاً
منذ بدء الحرب مع إيران في 28 فبراير، ارتفعت أسعار الديزل بالتجزئة في الصين بنسبة 27%، لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ الذروة القياسية التي سُجلت قبل أربع سنوات. هذا الارتفاع جعل قرار شراء شاحنة كهربائية أكثر منطقية من الناحية الاقتصادية، حتى مع ارتفاع سعرها الأولي مقارنة بشاحنات الديزل.
وتتجاوز أسعار الشاحنات الكهربائية الثقيلة في الصين 500 ألف يوان، أي حوالي 73,500 دولار، مقابل أكثر من 300 ألف يوان للشاحنات العاملة بالديزل. لكن برنامج استبدال الشاحنات القديمة، الذي تم تمديده في أبريل حتى نهاية العام، يساعد المشترين على تقليص جزء كبير من هذا الفارق.
أما عند حساب التكلفة على المدى الطويل، فتصبح الكفة أوضح لصالح الكهرباء. إذ تشير تقديرات GL Consulting إلى أن إجمالي تكلفة امتلاك وتشغيل شاحنة كهربائية لمسافة مليون كيلومتر، بما يشمل سعر الشراء والوقود والتشغيل، يعادل تقريباً نصف تكلفة شاحنة ديزل مماثلة وفق أسعار الوقود الحالية.
الصين لا تكتفي بسوقها المحلي
انخفاض تكاليف التشغيل لا يدعم الطلب داخل الصين فقط، بل يفتح الباب أيضاً أمام توسع قوي في التصدير، خصوصاً نحو أوروبا، ثاني أكبر سوق للشاحنات الكهربائية في العالم. ورغم ذلك، لا تزال أوروبا بعيدة جداً عن حجم السوق الصيني؛ ففي عام 2024، وصلت مبيعات الشاحنات الكهربائية في الصين إلى 160 ألف وحدة، مقابل أقل من 25 ألف وحدة في أوروبا، وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية.
وتستعد شركات صينية عديدة لدخول أوروبا بقوة هذا العام، من بينها Sany، التي تعد من أبرز الأسماء في سوق الشاحنات الكهربائية. وتخطط ما لا يقل عن 12 شركة صينية لإطلاق مبيعاتها هناك بأسعار تقل بما يصل إلى الثلث عن متوسط الأسعار الحالية في السوق الأوروبية.
وفي الداخل الصيني، كانت Sany تتوقع أصلاً أن تتسارع عملية استبدال شاحنات الديزل خلال 2025، مع تقديرات متفائلة بوصول سوق شاحنات الجر الكهربائية إلى 250 ألف وحدة، بنمو يبلغ 50%. ومع ارتفاع أسعار النفط، يرى تشين دونغ، نائب المدير العام في الشركة، أن فرص تحقيق هذا الهدف أصبحت أكبر من السابق.