العالم يراجع سياسات حظر البنزين بين مقترحات ترامب وضغوط ألمانيا

يبدو أن العالم بدأ يعيد النظر في السياسات البيئية الصارمة التي فُرضت خلال السنوات الماضية. فبعد موجة قوية دفعت الجميع نحو السيارات الكهربائية وكأن التحول سيكون آنياً وسلساً، تظهر اليوم حقيقة مختلفة: التحول ممكن، لكنه يحتاج وقتاً أطول، ومساحة أوسع، ومعادلة أكثر واقعية تراعي الصناعة والمستهلكين معاً. من أميركا إلى أوروبا، بدأت الأصوات تتعالى مطالبة بإعادة ضبط الإيقاع قبل أن تتعثر المنظومة بالكامل.
وفي الولايات المتحدة، كان الرئيس دونالد ترامب الأسرع في تحريك المياه الراكدة. بإعلانه عن مقترح جديد لتخفيف معايير اقتصاد الوقود، وضع ترامب حداً لسلسلة من القواعد التي فرضتها إدارة بايدن بهدف دفع الناس نحو السيارات الكهربائية. ترامب قالها بلا مواربة: “الناس يريدون سيارات البنزين”، ومن هنا انطلقت موجة جديدة من النقاش الحاد حول مستقبل السيارات في أميركا. المقترح الجديد يخفض السقف المطلوب لكفاءة الوقود، وهو تغيير يمنح شركات مثل فورد وجنرال موتورز وستيلانتس فرصة لالتقاط أنفاسها بعد سنوات طويلة من الضغوط، خصوصاً مع إلغاء بعض العقوبات وإيقاف نظام تبادل الاعتمادات الذي كانت تستفيد منه شركات كهربائية مثل تيسلا.
ردود الشركات جاءت مُعبّرة عن ارتياح واضح؛ فورد رأت أن القواعد الجديدة أقرب إلى أرض الواقع وتخفف العبء عن المستهلك الذي يواجه ارتفاعاً مستمراً في أسعار السيارات. وفي الوقت نفسه، لم تتردد المنظمات البيئية في مهاجمة القرار، مؤكدة أن زيادة استهلاك الوقود وارتفاع الانبعاثات سيجعلان المواطن الأميركي الخاسر الأكبر على المدى الطويل. ومع ذلك، فإن المزاج العام في الولايات المتحدة يميل الآن نحو التريث، فالتحول الكهربائي مهم، لكنه لا يمكن أن يتحقق بالقوة ولا بالسرعة التي كانت تتخيلها الإدارة السابقة.
ومع انتقال النظرة إلى أوروبا، نجد المشهد معقداً بنفس القدر. ألمانيا، التي تُعتبر القلب الصناعي للقارة، قررت هي الأخرى رفع صوتها. المستشار فريدريش ميرتس أرسل رسالة مباشرة إلى المفوضية الأوروبية يطالب فيها بإعادة النظر في قرار حظر سيارات البنزين والديزل اعتباراً من 2035. الرسالة لم تأتِ من فراغ؛ فالصناعة الألمانية تشعر بضغط هائل نتيجة المنافسة الصينية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتباطؤ الطلب على السيارات الكهربائية. ميرتس يتحدث بلغة واقعية: “لا نحتاج قفزة صعبة، بل تحولاً تدريجياً”.
شركات مثل مرسيدس وبي إم دبليو وفولكس فاغن لم تُخفِ ارتياحها لهذا الموقف، لأنها تعلم أن الصناعة ليست مستعدة بعد لقطع العلاقة مع محركات الاحتراق بالكامل. لكن في الجانب المقابل، تقف شركات كهربائية بالكامل مثل فولفو وبولستار التي استثمرت بكل قوتها في المستقبل الكهربائي، وترى أن أي تغيير في المسار اليوم قد يكون بمثابة خطوة إلى الوراء. وبين هذه وتلك، تقف المنظمات البيئية الأوروبية رافعة راية التحذير من تباطؤ قد يضر بمستقبل الجهود المناخية.
ولا يمكن تجاهل صوت شركة ستيلانتس التي انضمت إلى المطالبات الألمانية، مؤكدة أن القواعد الحالية تدفع الصناعة نحو “تراجع قد يصبح دائماً” ما لم تتحرك بروكسل نحو حلول أكثر مرونة. بالنسبة لستيلانتس، المسألة لم تعد بيئية فقط، بل مسألة قدرة أوروبا على الحفاظ على مصانعها ووظائف مئات الآلاف من العاملين فيها.
ومع كل هذه الضغوط، بدأ الحديث يتغير داخل الاتحاد الأوروبي. تقارير حديثة تشير إلى أن بروكسل تستعد للتراجع عن الحظر الكامل لمحركات الاحتراق في 2035، مع اتجاه للسماح باستمرارها بشرط تشغيلها بوقود نظيف مثل eFuel أو HVO100. هذا ليس تراجعاً عن أهداف حماية المناخ، بقدر ما هو اعتراف بأن البنية التحتية والاقتصاد الأوروبيين غير جاهزين بعد لقفزة كهربائية كاملة، وأن الانتقال يحتاج مساراً وسطاً يجمع التكنولوجيا التقليدية بالابتكارات الجديدة.
في نهاية المطاف، يبدو أن العالم لا يبتعد عن هدفه البيئي، لكنه يتجه نحو طريق أكثر واقعية. فالحكومات باتت تفهم أن حماية المناخ لا تعني خنق الصناعة، والشركات باتت تدرك أن مستقبلها لن يكون كهربائياً بالكامل بين ليلة وضحاها. وبين ضغوط ترامب، وتحركات ألمانيا، ورسائل شركات السيارات الأوروبية، بدأ يتشكل مشهد جديد يعيد ترتيب أولويات التحول الأخضر، ويبحث عن توازن يحمي المناخ دون أن يكسر ظهر الصناعة أو يثقل كاهل المستهلك.

